فصل: قال الألوسي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وظاهر أنّ العامد آثم وأنّ المستخفّ أشدّ إثمًا.
وأمّا تعمّد ترك التّسمية لأجل إرضاءِ غير الله فحكمه حكم من سمَّى لِغير الله تعالى.
وقيل: إنْ ترَك التّسميةَ عمدًا يُكره أكلها، قاله أبو الحسن بن القصّار، وأبو بكر الأبهري من المالكيّة.
ولا يعدّ هذا خلافًا، ولكنّه بيان لقول مالك في إحدى الرّوايتين.
وقال أشهب، والطبرِي: تؤكل ذبيحة تارك التّسمية عمدًا، إذا لم يتركها مستخِفًا.
وقال عبد الله بن عمر، وابن سيرين، ونافِع، وأحمد بن حنبل، وداودُ: لا تؤكل إذا لم يسمّ عليها عَمْدًا أو نسيانًا، أخذًا بظاهر الآية، دون تأمّل في المقصد والسّياق.
وأرجح الأقوال: هو قول الشّافعي.
والرّوايةُ الأخرى عن مالك، إنْ تعمّد ترك التّسميه تؤكل، وأنّ الآية لم يُقْصد منها إلاّ تحريم ما أهل به لغير الله بالقرائن الكثيرة التي ذكرناها آنفًا، وقد يكون تارك التّسمية عمدًا آثمًا، إلاّ أنّ إثمه لا يُبطل ذكاته، كالصّلاة في الأرض المغصوبة عند غير أحمد.
وجملة: {وإنه لفسق} معطوفة على جملة {ولا تأكلوا} عطف الخبر على الإنشاء، على رأي المحقّقين في جوازه، وهو الحقّ، لاسيما إذا كان العطف بالواو، وقد أجاز عطف الخبر على الإنشاء بالواو بعض من منعه بغير الواو، وهو قول أبي عليّ الفارسي، واحتجّ بهذه الآية كما في مغنى اللّبيب.
وقد جعلها الرّازي وجماعة: حالًا {مما لم يذكر اسم الله عليه} بناء على منع عطف الخبر على الإنشاء.
والضّمير في قوله: {وإنه لفسق} يعود على {مما لم يذكر اسم الله عليه} والإخبار عنه بالمصدر وهو {فسق} مبالغة في وصف الفعل، وهو ذكرُ اسم غير الله، بالفسق حتّى تجاوز الفسق صفة الفعل أن صار صفة المفعول فهو من المصدر المراد به اسم المفعول: كالخَلق بمعنى المخلوق، وهذا نظير جعله فسقًا في قوله بعدُ:
{أو فسقًا أهِلّ لغير الله به} [الأنعام: 145].
والتّأكيد بإنّ: لزيادة التّقرير، وجعل في الكشاف الضّمير عائدًا إلى الأكل المأخوذ من {ولا تأكلوا}، أي وإنّ أكْلَه لفسق. اهـ.

.قال الفخر:

فيه قولان:
الأول: أن المراد من الشياطين هاهنا إبليس وجنوده، وسوسوا إلى أوليائهم من المشركين ليجادلوا محمدًا صلى الله عليه وسلم وأصحابه في أكل الميتة.
والثاني: قال عكرمة: وإن الشياطين، يعني مردة المجوس، ليوحون إلى أوليائهم من مشركي قريش، وذلك لأنه لما نزل تحريم الميتة سمعه المجوس من أهل فارس، فكتبوا إلى قريش وكانت بينهم مكاتبة، أن محمدًا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله، ثم يزعمون أن ما يذبحونه حلال وما يذبحه الله حرام.
فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ثم قال: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} يعني في استحلال الميتة {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} قال الزجاج: وفيه دليل على أن كل من أحلَّ شيئًا مما حرم الله تعالى، أو حرم شيئًا مما أحل الله تعالى فهو مشرك، وإنما سمي مشركًا لأنه أثبت حاكمًا سوى الله تعالى، وهذا هو الشرك. اهـ.

.قال السمرقندي:

{وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ} يعني: يوسوسون إلى أوليائهم من المشركين {ليجادلوكم} يقول: ليخاصموكم في أكل الميتة.
وهو قولهم: ما قتله الله فهو أولى أن يؤكل.
وروي عن عبد الله بن الزبير أنه قيل له: إن المختار يقول: يوحى إليّ فقال، صَدَق {وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ}.
قال الفقيه قال: حدّثنا أبو الفضل بن أبي حفص قال: حدّثنا أبو جعفر الطحاوي بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال قال المشركون للمسلمين: ما قتل ربكم ومات فلا تأكلوه وما قتلتم أنتم وذبحتم فتأكلوه فأوحى الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ}... إلى قوله: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} يعني: في أكل الميتة واستحلاله {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} مثلهم ففي الآية دليل أن من استحل شيئًا مما حرم الله تعالى صار مشركًا. اهـ.

.قال الثعلبي:

{وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ} ليوسوسون {إلى أَوْلِيَائِهِمْ} من المشركين. وذلك «إن المشركين قالوا: يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ قال: اللّه قتلها. قالوا: فتزعم إن ما قتلت أنت وأصحابك حلال وما قتل الصقر والكلب حلال وما قتله اللّه حرام؟ فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية».
وقال عكرمة: معناه ولي الشياطين يعني مردة المجوس ليوحون إلى أوليائهم من مشركي قريش وكانوا أولياءهم في الجاهلية وذلك أن المجوس من أهل فارس لما أنزل اللّه تعالى تحريم الميتة كتبوا إلى مشركي قريش وكانت بينهم مكاتبة إن محمدًا وأصحابه يزعمون إنهم يتبعون أمر اللّه ثم يزعمون إن ما ذبحوا فهو حلال، وما ذبحه اللّه فهو حرام ولا يأكلونه، فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء فأنزل اللّه تعالى هذه الآية: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} في أكل الميتة {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

وفي المراد بالشياطين هاهنا قولان:
أحدهما: أنهم شياطين الجن، روي عن ابن عباس.
والثاني: قوم من أهل فارس، وقد ذكرناه عن عكرمة؛ فعلى الأول: وحيهم الوسوسة، وعلى الثاني: وحيهم الرسالة.
والمراد ب {أوليائهم}: الكفار الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ترك أكل الميتة.
ثم فيهم قولان:
أحدهما: أنهم مشركو قريش.
والثاني: اليهود.
{وإن أطعمتموهم} في استحلال الميتة، {إنكم لمشركون}.
قوله تعالى: {أو من كان ميتًا فأحييناه} اختلفوا فيمن نزلت على خمسة أقوال:
أحدها: أنها نزلت في حمزة بن عبد المطلب، وأبي جهل، وذلك أن أبا جهل رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بفرث، وحمزة لم يؤمن بَعْدُ، فأُخبر حمزةُ بما فعل أبو جهل، فأقبل حتى علا أبا جهل بالقوس، فقال له: أما ترى ما جاء به؟ سفَّه عقولنا، وسبَّ آلهتنا، فقال حمزة: ومن أسفهُ منكم؟ تعبدون الحجارة من دون الله؟ أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس.
والثاني: أنها نزلت في عمار بن ياسر، وأبي جهل، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال عكرمة.
والثالث: في عمر بن الخطاب، وأبي جهل، قاله زيد بن أسلم، والضحاك.
والرابع: في النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي جهل، قاله مقاتل.
والخامس: أنها عامة في كل مؤمن وكافر، قاله الحسن في آخرين. اهـ.

.قال أبو حيان:

{وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم} أي وإن شياطين الجن قاله ابن عباس وعبد الله بن كثير.
وقال عكرمة: مردة الإنس من مجوس فارس وتقدم ذكر كتابتهم إلى قريش أي ليوسوسون إلى كفار قريش بإلهامهم تلك الحجة في أمر الذبائح التي تقدّم ذكرها، أو على ألسنة الكهان في زمانهم ليجادلوكم.
قال الزمخشري بقولهم: ولا تأكلون ما قتله الله، وبهذا ترجح تأويل من تأول بالميتة؛ انتهى.
والأحسن حمل الآية على عدم التخصيص بما ذكروه بل هذا إخبار أن ما صدر من جدال الكفار للمؤمنين ومنازعتهم فإنما هو من الشياطين يوسوسون لهم بذلك ولذلك ختم بقوله: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} أي وإن أطعتم أولياء الشياطين إنكم لمشركون لأن طاعتهم طاعة للشياطين وذلك إشراك ولا يكون مشركًا حقيقة حتى يطيعه في الاعتقاد، وأما إذا أطاعه في الفعل وهو سليم الاعتقاد فهو فاسق وهذه الجملة إخبار يتضمن الوعيد وأصعب ما على المؤمن أن يشبه المشرك فضلًا أن يحكم عليه بالشرك.
وحكي عن ابن عباس أن الذين جادلوا بتلك الحجة قوم من اليهود وضعف بأن اليهود لا تأكل الميتة اللهم إلا أن قالوا ذلك على سبيل المغالطة وإجابتهم عن العرب فيمكن وجواب الشرط.
زعم الحوفي أنه {إنكم لمشركون} على حذف الفاء أي فإنكم وهذا الحذف من الضرائر فلا يكون في القرآن وإنما الجواب محذوف و{إنكم لمشركون} جواب قسم محذوف التقدير والله: {إن أطعتموهم} لقوله: {وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن} وقوله: {وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن} وأكثر ما يستعمل هذا التركيب بتقدير اللام المؤذنة بالقسم المحذوف على إن الشرطية، كقوله: {لئن أخرجوا لا يخرجون معهم} وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه. اهـ.

.قال أبو السعود:

{وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ}
المرادُ بالشياطين إبليسُ وجنودُه فإيحاؤهم وسوستُهم إلى المشركين، وقيل: مرَدةُ المجوسِ فإيحاؤهم إلى أوليائهم ما أَنْهَوا إلى قريشٍ بالكتاب أن محمدًا وأصحابَه يزعُمون أنهم يتبعون أمرَ الله ثم يزعُمون أن ما يقتلونه حلالٌ وما يقتله الله حرام {ليجادلوكم} أي بالوساوس الشيطانيةِ أو بما نقل من أباطيلِ المجوسِ وهو يؤيد التأويلَ بالميتة {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} في استحلالِ الحرامِ وساعدتموهم على أباطيلهم {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} ضرورةَ أن من ترك طاعةَ الله إلى طاعة غيرِه واتبعه في دينه فقد أشركه به تعالى، بل آثرَه عليه سبحانه. اهـ.

.قال الألوسي:

{وَإِنَّ الشياطين} أي إبليس وجنوده {لَيُوحُونَ} أي يوسوسون {إلى أَوْلِيَائِهِمْ} الذين اتبعوهم من المشركين قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل: المراد بالشياطين مردة المجوس فإيحاؤهم إلى أوليائهم ما أنهوا إلى قريش حسبما حكيناه عن عكرمة {ليجادلوكم} أي بالوساوس الشيطانية أو بما نقل من أباطيل المجوس {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} في استحلال الحرام {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} ضرورة أن من ترك طاعة الله تعالى إلى طاعة غيره واستحل الحرام واتبعه في دينه فقد أشركه به تعالى بل آثره عليه سبحانه.
ونقل الإمام عن الكعبي أنه قال: الآية حجة على أن الإيمان اسم لجميع الطاعات وإن كان معناه في اللغة التصديق كما جعل تعالى الشرك اسمًا لكل ما كان مخالفًا لله عز وجل وإن كان في اللة مختصًا بمن يعتقد أن لله تعالى شأنه شريكًا بدليل أنه سبحانه سم طاعة المؤمنين للمشركين في إباحة الميتة شركًا، ثم قال: ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من الشرك هاهنا اعتقاد أن لله تعالى شريكًا في الحكم والتكليف؟ وبهذا التقدير يرجع معنى هذا الشرك إلى الاعتقاد فقط انتهى.
والظاهر أن التعبير عن هذه الإطاعة بالشرك من باب التغليظ ونظائره كثيرة والكلام هنا كما قال أبو حيان وغيره على تقدير القسم وحذف لام التوطئة أي ولئن أطعتموهم والله أنكم لمشركون وحذف جواب الشرط لسد جواب القسم مسده.
وجعل أبو البقاء وتبعه بعضهم المذكور جواب الشرط ولا قسم وادعى أن حذف الفاء منه حسن إذا كان الشرط بلفظ الماضي كما هنا واعترض بأن هذا لم يوجد في كتب العربية بل اتفق الكل على وجوب الفاء في الجملة الإسمية ولم يجوزوا تركها إلا في ضرورة الشعر وفيه أن المجرد أجاز ذلك في الاختيار كما ذكره المرادي في شرح التسهيل. اهـ.

.قال ابن عاشور:

وقوله: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجدلوكم} عطف على: {وإنه لفسق}، أي: واحذروا جَدَل أولياء الشّياطين في ذلك، والمراد بأولياء الشّياطين: المشركون، وهم المشار إليهم بقوله، فيما مرّ: {يُوحي بعضهم إلى بعض} [الأنعام: 112] وقد تقدّم بيانه.
والمجادلة المنازعة بالقول للإقناع بالرأي، وتقدّم بيانها عند قوله تعالى: {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} في سورة النساء (107)، والمراد هنا المجادلة في إبطال أحكام الإسلام وتحبيب الكفر وشعائره، مثل قولهم: كيف نأكل ما نقتل بأيدينا ولا نأكل ما قتله الله.
وقوله: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} حُذف متعلّق {أطعتموهم} لدلالة المقام عليه، أي: إن أطعتموهم فيما يجادلونكم فيه، وهو الطّعن في الإسلام، والشكّ في صحّة أحكامه.
وجملة: {إنكم لمشركون} جواب الشّرط.
وتأكيد الخبر بإنّ لتحقيق التحاقهم بالمشركين إذا أطاعوا الشّياطين، وإن لم يَدْعوا لله شركاء، لأنّ تخطئة أحكام الإسلام تساوي الشرك، فلذلك احتيج إلى التّأكيد، أو أراد: إنَّكم لصائرون إلى الشّرك، فإنّ الشّياطين تستدرجكم بالمجادلة حتّى يبلغوا بكم إلى الشرك، فيكون اسم الفاعل مرادًا به الاستقبال.
وليس المعنى: إن أطعتموهم في الإشراك بالله فأشركتم بالله إنَّكم لمشركون، لأنَّه لو كان كذلك لم يكن لتأكيد الخبر سبب، بل ولا للإخبار بأنّهم مشركون فائدة.
وجملة: {إنكم لمشركون} جواب الشرط، ولم يَقترن بالفاء لأنّ الشّرط إذا كان مضافًا يحسن في جوابه التّجريد عن الفاء، قاله أبو البقاء العُكبري، وتبعه البيضاوي، لأنّ تأثير الشّرط الماضي في جزائه ضعيف، فكما جاز رفع الجزاء وهو مضارع، إذا كان شرطه ماضيًا، كذلك جاز كونه جملة اسميّة غير مقترنة بالفاء.
على أنّ كثيرًا من محقّقي النّحويين يجيز حذف فاء الجواب في غير الضّرورة، فقد أجازه المبرّد وابن مالك في شرحه على مشكل الجامع الصّحيح.
وجعل منه قوله صلى الله عليه وسلم: «إنك إنْ تَدَعْ ورثتَك أغنياء خيرُ من أن تدعهم عالة» على رواية إنْ بكسر الهمزة دون رواية فتح الهمزة. اهـ.

.قال الفخر:

قال الكعبي: الآية حجة على أن الإيمان اسم لجميع الطاعات وإن كان معناه في اللغة التصديق، كما جعل تعالى الشرك اسمًا لكل ما كان مخالفًا لله تعالى، وإن كان في اللغة مختصًا بمن يعتقد أن لله شريكًا، بدليل أنه تعالى سمى طاعة المؤمنين للمشركين في إباحة الميتة شركًا.
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من الشرك هاهنا اعتقاد أن الله تعالى شريكًا في الحكم والتكليف؟ وبهذا التقدير يرجع معنى هذا الشرك إلى الاعتقاد فقط. اهـ.